جريدة الشوري,اخبار مصر,اخبار مصرية,اخبار الرياضة,اخبار الفن,اخبار الحوادث,اخبار الصحة,مراة ومنوعات,حظك اليوم,اخبار الاقتصاد,رياضة,عملات,بنوك,الرئاسة

رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمود الشويخ
رئيس مجلس الأمناء والعضو المنتدب
محمد فودة
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمود الشويخ
رئيس مجلس الأمناء والعضو المنتدب
محمد فودة

حسام فوزى جبر يكتب.. حالة "نوستالجيا"

حسام فوزى جبر - صورة أرشفية  الشورى
حسام فوزى جبر - صورة أرشفية


انتشرت فى الفترة القليلة الماضية العودة للعب بالطائرات الورقية وغطت سماء القاهرة والمحافظات طائرات ورقية بأشكال تمثل العصر الحديث الذى نعيشه، وظهر الإبداع المصرى والتنوع فى أشكال هذه الطائرات وطرق تصميمها وإن كانت لعبة قديمة كادت أن تندثر، وربما لولا الحظر الذى فرضته الدولة لمواجهة جائحة كورونا لما ظهرت من جديد هذه اللعبة التى تعيد الكثيرين منا إلى زمن نراه أكثر هدوءًا وجمالًا وارتباطًا بين أفراد العائلة الواحدة كبارًا وصغارًا وبين أهالى المناطق والشوارع والحارات فى ظاهرة الحنين إلى الماضى " نوستالجيا".

ظاهرة أعادتنا دون أن نشعر إلى زمن ربما كنا نتمنى أن نعيشه ومن عاشه منا كان يتمنى أن لا ينتهى، زمن البساطة والطاقة والصحة والخير، زمن الكانون والفرن الفلاحى والسمن البلدى والفطير المشلتت والخبز المصنوع فى المنزل بأنواعه والطيور والبيض من أسطح المنازل، ولعب الحارة وأصدقاء المنطقة وزملاء المدرسة وقدسيتها، زمن سيد درويش وأم كلثوم وعبدالوهاب وعبد المطلب وفؤاد المهندس وعبد المنعم مدبولى وعبد المنعم إبراهيم وشادية واسماعيل ياسين وفريد الاطرش وعبد الحليم حافظ وسراج منير وحسين رياض، زمن الأمان والجدعنة والأخوة الأصدقاء، زمن كان الجار للجار فيه عونًا وسندًا وظهرًا، كانت الالعاب البدائية هى السائدة ألعاب تتسم بالحركة والإبداع والمجهود العضلى والبدنى والعقلى الذى يجعل الطفل والشاب ينمو بصحة جيدة يهوى الرياضة والجرى بل ويجيد القفز والوثب وأشياء أخرى.

كانت الألعاب تصنيع اليد كالألعاب الشعبية بغطيان الكازوزة واللين والسبع طوبات وتريك تراك واللمسة والملك ورياضات عديدة تمارس فى كل الأماكن، يُجهز ملعب الكرة فى الشارع ويتجمع الجميع ليشاهد مباريات ولا أروع، كان لدينا فى كل مكان أبطال فى رفع الاثقال وكمال الأجسام وتنس الطاولة والعدو الوثب الطويل والعالى واغلب الالعاب الفردية والجماعية، زمن كان فيه الخير كما نقول بالعامية المصرية "خير للركب".

لك أن تتخيل عزيزى القارئ أن الالعاب الحديثة والالكترونية التى غزت العالم العربى أصابت أولادنا وشبابنا بتشوهات العمود الفقرى وأمراض نقص المناعة والانيميا وسوء التغذية والسمنة بل والاكتئاب والامراض النفسية التى تؤدى والعياذ بالله للانتحار.. أمراض لم يكن ليصاب بها أبدًا من عاش هذه الايام العتيقة التى كانت الحركة والتفكير واستعمال العقل فيها أمرا واجبا، فيجعل الطفل عائدًا إلى منزله وقد أفرغ كل طاقته، كل ما يشغل باله هو كيف ينام ليعيش غدًا يومًا أكثر أحداثًا من اليوم، مرت فى ذاكرتى كل هذه الذكريات بمجرد أن رأيت هذه الطائرات الورقية وقد زينت سماء مصرنا الغالية نعم أصابنى نوع من " نوستالجيا".

بالفعل طفت على السطح بل وتجسدت كلمة "نوستالجيا" واخترقت مسامعنا من عدة مفكرين ومثقفين ومن العامة فما بين سماعها والتفكير فيها والتمعن فى معناها وهل هى ظاهرة أم أنها حالة مرضية أم حالة إيجابية.. وللتبسيط دعونا نعتبرها "استعادة الأيام الخوالى" مع بعض الحسرات والتنهدات على تلك الأيام، وتتزايد هذه الظاهرة والحنين أكثر إلى الماضى البعيد القريب كلما بدا الحاضر يزداد حلكة وسوادًا وتراجعًا وانعداما لفرص تحقيق الذات.

ورغم نظرة البعض غير المتفائلة إلا أن بعض الباحثين، يرون "النوستالجيا الجماعية"، محاولة هروب جماعية من الحاضر، تحت وطأة التراجع المذهل والاحتباسات التى تزداد ضغطًا على خناق الأمل، والرغبة فى مجاراة العصر الحديث بإيقاعه السريع، خاصة أولئك الذين لم يعيشوا ذاك الماضى الجميل وإنما استلهموه صورًا وملامح عن طريق حكايات، لتظهر "النوستالجيا الجماعية"، كنوع من استدعاء ذلك الماضى والتلذذ بمصاحبة صورة أو حتى بقايا صورة تجسدت فى داخل كل واحد منا عن طريق حكايات الاجداد فهى ذاكرة جماعية لجيل لم يعش هذا الماضى، ولكنه يتخيله حلمًا رائعًا رسمه من تلك الصور التى تعبر عن حياة راقية ومزدهرة وبيئة نظيفة وثقافة حيوية فى العديد من بلدان وطننا العربى التى فقدت مقوماتها التى كانت تجعلها فى مصاف الدول المتصدرة للمشهد كما سمعنا وقرأنا جميعًا عن مصر فى مطلع القرن التاسع عشر وحتى ثورة ٥٢ فى العصر الحديث.

وهناك نوع آخر من "النوستالجيا" يسمى "النوستالجيا الفردية"، تظل مصاحبة لكل فرد منا مثل فيديو مسجل أو خاطرة مميزة تستدعيها الذاكرة بين الحين والآخر، جزء مميز من سجل حياة الإنسان موقف أو عدة مواقف يفتخر الإنسان بها ويظل يمنى نفسه أن يعود إليها ويقف فى نفس الموقف من جديد.. فالرياضى يتذكر لحظة حصده لميدالية أو فوزه فى مباراة والمثقف يتذكر كيف كان مرجعًا لأقرانه والمتفوق يتذكر كيف كان حاله وهو يُكرم من القيادات ويسلخ ويعيش ويتعايش مع هذه المواقف ربما بعد عدة عقود لينفى عن نفسه ولو للحظات العجز أو الشيخوخة أو فقد لياقته الصحية والنفسية التى كانت ويمنى النفس باستمرارها، فمن الطبيعى فى ظروف الفقد أن يعلو ويزداد الحنين لتلك الأيام الخوال.

وللأمانة وبعد بحث عن أصل كلمة "نوستالجيا" وجدت أن الكلمة ظهرت مطلع القرن الثامن عشر فى أوروبا وأخذ استخدام الكلمة يتوسع وأصبح يعبر عن التعلق المرضى بأى مكان أو أزمنة أو أشخاص تكون كلها مراحل قد انتهت بل ذهب بعض أطباء هذا العصر بوصف هذا الشعور بأنه "مرض ناجم عن التعلق المفرط بموطن أو زمان أو شخص بعيد"، ولم يعتبروه وقتها كما اُعتبر فى الزمن الحديث "مجرد شعور رومانسى متجرد تجاه الماضى"، بل صنفوه كمرض نفسى وبحلول نهاية القرن أصبح مصطلحًا يعبر عن التعلق المرضى بأى مكان وأى أزمنة بعيدة أو أشخاص، ومع حلول النصف الثانى من القرن التاسع عشر، توقف تشخيص هذه الحالة الطبية كمرض وانتهت حياة هذه الكلمة وهذا المصطلح فى المجال الطبى وتحررت الكلمة من الدلالات الطبية، لتجد لها حياة أخرى فى ساحات مختلفة، وأصبحت ترمز إلى التعلق بالماضى بشكل عام، أو كما تُتَرجم فعليًا الآن "الحنين إلى الماضى".

وبنظرة موضوعية وعقب عودة بعض الألعاب القديمة للظهور وربط علماء علم النفس والمجتمعات عودة هذه الالعاب بـ"نوستالجيا"، فما أحلى العودة للماضى النظيف الخالى من كل الملوثات حتى فى الالفاظ والالعاب والمأكولات والمشروبات وكل نواحى الحياة، لماذا لا نستغل هذه الحالة من الـ"نوستالجيا" فى العودة لأيام نتذكرها وأحيانًا ننسجها من وحى الخيال ونتحسر عليها وها نحن قد عدنا لمجرد أن توفر الوقت لدينا للعودة فطالما هذه الاشياء تفيدنا كأفراد وتفيد مجتمعاتنا فمرحبًا بـ"نوستالجيا" جماعية نستعيد فيها عبق الماضى فى ثوبٍ حديث، نعيش فى زمن الأجداد الرائع بمقومات العصر الحديث نُطوع التكنولوجيا لخدمة وتطوير منتجات الماضى لتُناسب الحاضر.

دعونا نعود لما قبل الحياة السريعة والفاست فودز والملوثات الصناعية والألفاظ المبتذلة والأغانى الهابطة، نعود لعصور النقاء والصفاء والحفاظ على معايير الاسر والمجتمعات ونبذ التطرف والفرقة وحب الذات، نعود إلى الألعاب الحقيقية وليس من خلف شاشات أكسبتنا السمنة والتخمة والكسل والعجز فى مقتبل العمر.. نعود إلى تعلم الإتيكيت وأصول التعامل مع الأفراد ولا نترك أبناءنا لحفنة من المرتزقة أطلقوا على أنفسهم لقب فنان وممثل ومطرب.. نعود لزمن كنا نتمنى أن نكون أحد من عاشوا ونشأوا وتربوا فيه حاملين لواءات الشرف والفضيلة والإيثار وحب الخير والسعى له وتقديم المنفعة العامة على الخاصة لتكن "نوستالجيا" الخير لمصرنا ووطننا العربى لنعود إلى ما كنا عليه ولنعود لنكون ضمن الدول المتصدرة للمشهد فى العالم.

عزيزى القارئ انظر إلى وطننا العربى وقد عاد للماضى بإمكانيات الحاضر فى كل شىء فالبيت هو مصدر كل وأى شىء فى النواحى الغذائية فيعود المنزل المصرى ليكون منتجا للخبز والجبن والطيور وحتى اللحوم، ويعود الفلاح لأرضه بنفس الاهتمام والعمل ويعود كل واحد منا إلى عمله المنوط به يبدأ العمل عقب صلاة الفجر وينتهى اليوم عقب صلاة العشاء حياة يومية مُرتبة الجميع يعلم ما له وما عليه شوارع نظيفة خالية من الضوضاء والملوثات، مدرسون بدرجة علماء يُبدعون فى تعليم أبنائنا باستخدام وسائل العصر الحديث، أطباء يعملون لوجه الله ثم الوطن يسخرون علمهم لخدمة البشرية، مهندسون وتجاريون كل فئات المجتمع تعمل داخل نفس المنظومة، أصالة وأخلاق وتعاملات الماضى لمعطيات وتكنولوجيا وتطوير الحاضر.

نوستالجيا.. بعد التحديث.